مكتبة الدكتور خالد العيوض بمركز تاوسنا للأبحاث والدراسات
اليوم رحلة ماتعة بين ثنايا الكتب داخل مكتبة عامرة أرشيفية تكتنز من العمل الشّاق والأبحاث المضنية الكثير بسوس العالمة كل كِتاب هُنا يُفْصِحُ عَنْ عالمه الخاص، شخوصه، ماضيه، عثراته، نجاحاته، غاياته ومراميه. إنّها مكتبة الدكتور خالد العيوض بمركز تاوسنا للأبحاث والدراسات وهي في أطوارها لِتَكْتَمِل كالقَمَر في ليلته الرابعة عشرة. رافقت خِلال المسير أخي الحُسين وَغَمَرتنا معا دعوةُ الصديق الشاعر إبراهيم أوحسين لتتابع عن كثب تشييد هذه المنارة بمركز تاوسنا نواحي سيدي بيبي. كَمْ أَذْهَلُ وَيَشْخَص فِكْري حينما يرى تراص الكُتب مُتفقة على غَيْرِ أُلْفَة، وهي تتألقُ بجمالها العفوي،
أَسْرَحُ بِبَصَري في عوالمها فأجد عناوينها العميقة وعتبات أغْلِفَتِها السحريّة تُناديني طائعة لأقتحم جَوْفَها وأسبر مخيالها ولأجلِ مِنْ كُتِبَتْ. الكُتُبُ نُجوم دائمة الإشعاع، فضاء لامتناهي العوالم، سَكَراتٌ مِنْ مَوْتِ عَميقٍ لأديب ما، عصارة من ألمٍ غزير الندوب، أرق بالغ الجُرح، فيض من عطاء تائه المعاني لكاتب ما، غيت من غمامٍ مَجهول مُنهمر ليُؤوّل في المستقبل، حظ ميؤوس من بلوغه، هكذا أقرأُ طالعها وعمق معانيها وأنا أتأملها. المكتباتُ أماكن الكتب السحريّة عامرة ولو هي فارغة مكتظة بالأرواح والجدال الصامت المنبعث من كتبها ورفوفها. كم يَشْغَفُ خاطري وأنا أنتعش بزيارة أركانها ترتاح سريرتي لامتداد رسالتها. ذكرتني بمكتبة لينيرو بالسويد قبل سنوات، غربية نعم لكنها بنفس الأفق والتصميم؛ أو لنقل تمتحُ من مكان ينهك من ثقافة القراءة وحب الكتاب. فماذا عنا نحن؟ أهل الكتاب وخاصته شباب الحاضر والمستقبل أجيال الغد ماذا قدّمنا لنحافظ على إرث الحضارة وتشجيع الإقبال على الكتب؟
القراءة مسارٌ يُحْتَصَرُ عندنا بالفعل، يكاد يلفظ أنفاسه لولا هذه المبادرات اليافعة هنا وهناك لإنقاذه من الغرق أو التشرذم. ومكتبة مركز تاوسنا للأبحاث والدراسات شعاع ينمو ليحمل جذوتها ويرفعها لمكانها القصي. مهما كثرت الأسئلة وتناثرت فلن تحيي القلوب التي ألفت الجاهز الخام مما تبقى من سفاسف الأمور، لكن رغم ذلك فالقراءة بريق يرفض الجمود كما يرفض التزييف. إنها الحياة المتجددة في الأجيال حتى لو مرت بوقت ميت والشغف بالقراءة يستهل من مساندة أصحابها وروادها، تشجيع ينابيعها شبابها ومبدعيها